أبي منصور الماتريدي

12

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 15 إلى 16 ] قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) وقوله : قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ : يشبه أن يكون قال هذا لقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ، فيقول : أذلك الذي سألتموه أنتم خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ؟ ! أو يكون قال ذلك لهم لما رأوا لأنفسهم الفضل والمنزلة في الدنيا ؛ لما وسع عليهم الدنيا وأعطوا من حطامها ، فقال : أذلك الذي أعطيتم في الدنيا من السعة خير ، أم جنة الخلد التي أعطي المتقون ؟ ! والله أعلم . وقوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا : يحتمل قوله : وَعْداً مَسْؤُلًا مما سألته لهم الملائكة ؛ كقوله : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ . . . الآية [ غافر : 8 ] ، وسؤال الرسل ؛ كقوله : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ . . . الآية [ آل عمران : 194 ] ، أو وعدا مسؤولا مما سألوا ربهم ، فوعد لهم ذلك ؛ فهذا يدل أنهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع ، لا أنهم يستوجبون ذلك بأعمالهم . وقال بعضهم في قوله : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ : في السلاسل وذلك أنهم إذا ألقوا فيها تضايق عليهم كتضايق الزج في الرمح ، فالأسفلون يرفعهم اللهب ، والأعلون يخفضهم اللهب ، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة فضايق عليهم ، فعند ذلك يدعون بالثبور ؛ يقولون : يا ثبوراه ويا ويلاه . وروي مثله عن عبد الله بن عمر « 1 » ، وكان يقول : إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج في الرمح . وقوله : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً يقول : ويلا وهلاكا ، قال الله تعالى : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً : ثم قيل : أَ ذلِكَ خَيْرٌ يعني : الذي ذكر ، أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً لأعمالهم ، وَمَصِيراً أي : منزلا . قال أبو عوسجة : التغيظ : من الغيظ ، والزفير : الشهيق يكون في الحلق ، وشهق يشهق شهيقا وشهقا ، وهو نفس في الحلق شديد له صوت . وقال « 2 » : ثُبُوراً أي : إهلاكا ، وصرفه : ثبر يثبر ثبرا وثبورا ، فهو ثبور .

--> ( 1 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق قتادة عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 117 ) . ( 2 ) قاله الضحاك ، أخرجه ابن جرير ( 26293 ) ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 117 ) .